السيد نعمة الله الجزائري
240
الأنوار النعمانية
للخلايق أو انه تعالى استأثر به لا بذلك المجمل ويؤيده انه قد ورد في الأحاديث تفاصيل أحوال ما فوق الثرى وعدم ذكر أحوال التي تحته . واعلم أنه قد وقع الخلاف بين الحكماء والمنجمين في سكون الأرض وتحركها فذهب الأكثر إلى أنها ساكنة غير متحركة وذهب آخرون إلى أنها هاوية أي متحركة إلى أسفل دائما ابدا فلا تزال الأرض تنزل في خلاء غير متناه لما في طبيعتها من الاعتماد والثقل الهابط ، وذهب ثالث إلى أنها تدور متحركة على مركز نفسها من المغرب إلى المشرق خلاف الحركة اليومية والحركة اليومية لا توجد على هذا التقدير وانما يتخيل بسبب حركة الأرض ان يتبدّل الوضع من الفلك بالقياس الينا دون اجزاء الأرض إذ لا يتغيّر الوضع بيننا وبينها فانا على جزء معين منها فإنها إذا تحركت من المغرب إلى المشرق ظهر علينا من جانب المشرق كواكب كانت مخفية عنّا بحدبة الأرض وخفى عنّا بحدبتها من جانب المغرب كواكب كانت ظاهرة علينا فيظنّ لذلك ان الأرض ساكنة في مكانها والمتحرك هو الفلك فيكون حينئذ متحركا من المشرق إلى المغرب وذلك كراكب السفينة فإنه يرى السفينة ساكنة مع حركتها حيث لا يتبدّل وضع اجزائها منه ويرى الشطّ متحركا مع سكونه حيث يتبدّل وضعه منه مع ظنّ انه ساكن في مكانه وكذلك يرى القمر سائرا إلى الغيم حين يسير الغيم اليه وغير ذلك من الأمور التي يغلط بها الحسّ . واما الوارد في الشريعة المطهرة فهو كونها ساكنة وان الجبال أوجبت سكونها قال اللّه تعالى وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ * وقال تعالى وَالْجِبالَ أَوْتاداً روى عن ابن عباس أنه قال إن الأرض بسطت على الماء فكانت تكفأ بأهلها كما تكفأ السفينة فأرساها اللّه تعالى بالجبال وذكروا لهذا وجوها أحدها ما قاله الرازي في التفسير وهو انّ السفينة إذا ألقيت على وجه الماء فإنها تميل من جانب إلى جانب وتضطرب فإذا وقعت الاجرام الثقيلة فيها استقرت على وجه الماء فكذلك لمّا خلق اللّه تعالى الأرض على وجه الماء اضطربت ومادت فخلق اللّه تعالى عليها هذه الجبال ووتدها بها فاستقرت على وجه الماء بسبب ثقل الجبال ثم اعترض على هذا وحاصله ان حركات الأجسام طبيعية ولا شك ان الأرض اثقل من الماء والاثقل يغوص في الماء ولا يبقى طائفا عليه فامتنع ان يقال إنها كانت تميد وتضطرب بخلاف السفينة فإنها متخذة من الخشب وفي داخل الخشب تجويفات غير مملوة فلذلك تميد وتضطرب على وجه الماء فإذا أرسيت بالأجسام الثقيلة استقرت وسكنت فظهر الفرق . وأجاب عن هذا الاشكال شيخنا المحقق ادام اللّه أيامه بان الأرض وان كانت ثقيلة وفي طبعها طلب المركز لكنّ الماء يحركها بأمواجه حركة قسرية ويزيلها عن مكانها الطبيعي بسهولة ،